بسم الله الرحمن الرحيم

نحمده وصلي على رسوله الكريم وعلى عبده المسيح الموعود

أخواتي الكريمات، نحتفلُ اليومَ بذكرى تأسيس جماعتنا الإسلامية الأحمدية،  والتي أسسها عام 1889 حضرة ميرزا غلام أحمد (عليه السلام)، الذي بعثه الله إمامًا مهديًّا وحكمًا عدلا، وجعله مثيلَ المسيح عيسى بنِ مريم عليه السلام، فكان هو المسيحُ الموعودُ لهذه الأمة، وهو الإمامُ المهدي الذي وعد رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) بمجيئه، حين يتفرقُ المسلمونَ وتضيعُ شوكتَهم وتذهبُ ريحَهم.

وقد كان من رحمةِ الله بالمسلمين أن بعث إليهم الإمامَ المهدي ليوحِّدَ شملَهم، ويجمعَ كلمتَهم ويهديَهُم إلى كتاب الله وسنّة رسوله (ص). ومن أجل تحقيق هذه الوَحدة بين المسلمين، أسس الإمام المهدي (عليه السلام) هذه الجماعةَ المباركة، والتي غايتُها نشرُ الإسلامِ الصحيحِ الذي جاء به الرسول الأعظم محمد (ص). وهي بذلك تعمل على رفع المستوى الدينيِّ والأخلاقي، وتنمية العلاقاتِ الوِديّةِ والأخويةِ بين الشعوب، والعلاقة الروحية الصادقة بين الإنسان وخالقه، وبذلك يسودُ السلامُ الحقيقيُّ في العالم، وتمتلئُ الأرضُ قسطًا وعدلاً كما ملئت ظُلمًا وجورًا.

فكيف يتحققُ بَعثُ الإسلام؟ وكيف يمكنُ أن ينالَ حياةً جديدةً ويدُبَّ حماسٌ جديدٌ في هذا الدين الذي راح أهلَه في سباتٍ عميق؟

إنه ليس من سبيلٍ إلى إحياءِ الديانات إلا بتدخلٍ إلهي، فاللهُ العليَّ القديرَ يبعثُ المجددَ ليُنقذَ الناسَ من تهافتِهِم على مُتعِ الحياةِ ويعيدُهم إلى خالقِهم، وشأنُ هذا المجددِ دائمًا حضُّ الناسِ على بذلِ تضحياتٍ عُظمى في سبيل الله. فهو يدعو الناسَ إلى الجهدِ والصبرِ والتحمل، ويعلمُهم أن من أرادَ الحياة فليكُن على استعدادٍ لقتلِ أهوائِه ونزعاتِه السلبية لينالَ حياةً أبدية.

لو ألقينا نظرةً على إنجازات المسيح الموعود (ع) وما قام به، لتبينت لنا الحاجةُ التي دعت إلى بعثتِه عليه السلام ماثلةً امامَ أعيُنِنا.

 فقد قام حضرتُه بإصلاحِ الفسادِ الحاصلِ في أفكارِ الناسِ عن الذاتِ الإلهيةِ وصفاتِه العليا .ولأن الإنسانَ مرآةٌ لتصورِه عن ربِّه فقد قام حضرتُه بتصحيحِ كلِّ الأفكارِ الخاطئةِ عن الله المنتشرةِ في كافةِ الأديان وحتى بينَ المسلمينَ كذلك. (مثلا أن الكون وُجِد صدفة منذ القِدم وان الله فقط قام بتجميعه وترتيبه، واخرون قالوا بأنه عز وجل لم يعد يتحلى بصفة الرحمة وينسبون اليه صفات اخرى لا تليق به عز وجل)

كما أظهر حضرتُه حقيقةَ كلامِ االلهِ تعالى وصحح الأفكارَ الخاطئةَ المنتشرةَ حولَه بين الناس.. مثلا: كان الناس يظنون خطأ أن الوحي لا يتلقاه إلا الأنبياء وقد شاع بين اغلب المسلمين أن الوحي الإلهي انقطع تماما بعد وفاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. فبين حضرته أن الوحي القرآني هو فقط من انقطع بسبب وجود القرآن المحفوظ شريعة أبدية صالحة لكل وقت وحال بينما عموم الوحي لم ينقطع أبدا وهو يشمل كافة أنواع الرؤى الصالحة والكشوف والإلهامات.. وهو (أقصد الوحي) نعمة عظيمة تمتعت بها أمم كثيرة من قبلنا فهل يعقل أن يحرم الله أمة حبيبه منها؟

إنجاز آخر مهم جدا لا بد من ذكره وهو أن حضرة المسيح الموعود عليه السلام صحح التفاسير الخاطئة لايات القرآن الكريم والتي تسبب تفسيرها الخاطئ بكوارث عقائدية وأخلاقية وسلوكية دمرت أمتنا الإسلامية وحضارتنا المجيدة وفككت وحدتنا وفرقت شملنا وجعلتنا أضعف الأمم وفتحت بابا واسعا للأعداء كي يتداعوا علينا كما يتداعى الأكلة على مائدتهم!

وبهذا تحققت نبوءات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي أخبر عن كل هذه التفاصيل في أحاديثه المثبتة قبل أكثر من ألف سنة من حدوثها!

يضيق المقام مهما اتسع عن ذكر إنجازات وحسن وإحسان سيدنا وحبيبنا عليه السلام فلا تتسع لها السطور ولا تحيطها أيام العمر كلها.. ولكنني في هذه العجالة سأخبركن أخواتي بإنجاز آخر يتعلق بنا معشر النساء.

 لقد أقام حضرة المسيح الموعود عليه السلام حقوق النساء التي كانت منتهكة ومهضومة ومنسية قبل بعثته.. حتى من ِقبَلْ المسلمين أنفسِهم، أي بالرغم من أن الاسلام اعطى المرأة حقوقها وجميعها مفصلة في سورة النساء، إلا ان المجتمع الاسلامي في ما بعد قد تغاضى عنها:

  •  فلم تكن المرأة تأخذ نصيبها من الإرث وكان يُنظر للمرأة التي تطالب بنصيبها أنها مخطئة وخارجة عن العرف والعادات فنهى حضرته عن ذلك وأمر بإعطاء النساء كامل حقهن في الميراث دون منة عليهن فهو حقهن الطبيعي.
  • كانت المرأة أيضا تعاني من جهة من القسوة والإكراه لارتداء الحجاب قبل الوقت اللازم أو أن ترتديه بطريقة مؤذية لها وبشروط لم يفرضها الشرع أو أن تمنع من الخروج من البيت والاختلاط بالناس وقضاء حوائجها.. ومن جهة أخرى كانت المرأة تستغل بجسدها وجمالها وتهان لمصالح تجارية وأرباح مادية جعلت منها سلعة في بعض المجتمعات وخصوصا المجتمعات الغربية فجاء حضرته ليحيي تعاليم الإسلام الحقيقية التي تنصف المرأة وتمنحها احترامها وكرامتها دون إفراط أو تفريط.
  • كما منعت المرأة من التعليم والدراسة وساد ظن خاطئ بين المسلمين أن المرأة لا يجوز أن تخرج من البيت وتلتحق بالمؤسسات التعليمية لأسباب واهية لا علاقة لها بالدين بل بذكوريتهم و”الايجو” المنتفخ لديهم ولتغذية شعورهم السلطوي في غير محله.. فجاء حضرته ونفّس لهم هذا “الإيجو” الذكوري وأنصف المرأة وها نحن نرى أثر ذلك في جماعتنا إذ تصل النساء لأعلى درجات العلم والمعرفة والقيادة بتوجيه ومباركة من خلافتنا الراشدة ويقوم حضرة الخليفة نصره الله بتكريم الفتيات والنساء المتعلمات كل سنة على هامش الجلسة السنوية.

أخواتي الكريمات.. هذه مجرد عيناتٍ بسيطةٍ من إحساناتِ حضرتِه علينا.

وإنه لحريٌّ بنا ولزاما علينا نحن بناتُ المصطفى صلى الله عليه وسلم وبناتُ حبيبِه وخادمِه المسيح الموعود عليه السلام.. حريٌّ بنا أن نفي بعهدِنا معهُم ونشكُرِ اللهَ أن قدَّرَ لنا ان نولَد في جماعتِهِم وتحت ظلِّهِم معززاتٍ مكرمات متساوياتٍ مع اشقائِنا وازواجِنا وزملائِنا من الرجال لا فضل لأحدنِا على الآخر إلا بالتقوى. 

يقولُ حضرةُ مؤسسِ الجماعةِ الإسلاميةِ الأحمدية عليه السلام حول مبررات تأسيس هذه الجماعةِ وقيامِها ما تعريبُه:
إنَّ نظامَ البيعةِ لا يهدفُ إلاّ إلى تكوينِ جماعةٍ من المتقين، لكي تتركَ هذه الجماعةُ المتألفةُ من المتقينَ على الدنيا تأثيرَها الحسن. ولكي يكونَ اجتماعُهم مَدعاةً للخيرِ والبركةِ والعواقبِ الحسنة للإسلام. ولكي يُستَخدَموا لأداءِ الخَدَماتِ النبيلةِ للإسلام ببركةِ إجماعِهم على كلمةٍ واحدة. ولكي لا يكونوا مسلمينَ كُسالى وبخلاء لا فائدَة منهم…”

أخواتي العزيزات، نفهمُ مما سبقَ ذكرُه أنه من أهدافِ تأسيسِ هذه الجماعةِ المباركة هو رفعُ مستوانا الديني والأخلاقي وإنشاءُ علاقةٍ قويةٍ مع اللهِ سبحانه وتعالى,

ففي الوقتِ الذي تفتقرُ فيه جميعُ دياناتِ العالمِ الى علاقةٍ حيةٍ معَ اللهِ تعالى فإن انتماءَنا  الى هذهِ الجماعةِ المباركة يمنحُنا الراحة والطمأنينة بأن الله قريبٌ منا، يسمعُ دعواتِنا ويزيلُ همومَنا وكروبَنا ويتكلمُ مع عبادِه الصالحينَ الاتقياء كما تكلمَ في الماضي

 فهل نحظى حقًا بهذه النعمةِ العظيمة؟ وهل نعملُ على رفعِ مستوانا الروحانيّ وإنشاءِ صِلةٍ وطيدةٍ به عز وجل بتحري سبلِ مرضاتِه في كلِّ حين؟

فما هي البيعةُ فعليًا وكيف عساها تنفعُ صاحبَها؟

يقول المسيح الموعود عليه السلام: البيعةُ تعني أن يسلّمَ العبدُ نفسَه لله عز وجل وكأننا بِعنا أنفُسَنا لله تعالى.

وقال أيضا: “لو قامَ أحدٌ بالبيعةِ بوضعِ اليدِ على يدي ولم يفهم الغايةَ المتوخاة ولم يهتمَّ بها فلا طائلَ في بيعتِه ولا أهمية لها عندَ الله تعالى..

وقال حضرتُه أيضًا:
البيعةُ والتوبةُ تنفعانِ إذا تمسك بهِمِا الإنسانُ وعمل بهِما بصدقِ القلب وخلوصِ النية. إن اللهَ تعالى لا تسُرُه إطلاقا الكلماتُ الجافة التي تنزِلُ من الحُلقوم. تغيّروا بحيثُ يبلغُ صدقُكم ووفاؤُكم، وخشوعُكم وابتهالُكم إلى السماء!

فما هي يا تُرى الحكمة من تجديد البيعةِ عاما بعد عام؟ ألا تكفي البيعةُ مرةً واحدة؟ فالإنسانُ مخلوقٌ ضعيف ومعرضٌ للنسيان وهذه البيعةُ بمثابةِ تذكيرٍ لنا بالعهد الذي قطعناهُ مع الله عز وجل، وينبغي علينا أن نراجعَ أنفُسَنا قبل تجديدِنا للبيعة، هل أدينا واجباتنا خلال السنة الماضية، والتزمنا بشروطِ البيعةِ العشْرة قدر المستطاع؟ وعمِلنا على تقويةِ صلتنا بالله تعالى أكثر؟ وعلى نشرِ رسالة المسيح المحمدي عليه السلام بين معارفِنا وأصدقاءِنا ومحيطنا؟

فبتجديدِ البيعة، يوفر لنا الله عز وجل برحمتِه التي وسعت كلَّ شيء الفرصةَ للتوبة، فإن كانت البيعةُ صادقة، تكونُ بمثابةِ توبةٍ يتوب بها العبد الى خالقه، ويمحو بها اللهُ اخطاءَه ويتقبلُه بكل عطفٍ وشفقة.

فالحمد لله الذي انعم علينا بهذه النعمة العظيمة، وهيأ لنا الاسبابَ والفرصَ لان نخرَّ على عتباته طالبين رحمتِه.

اسمحوا لي أن انهي كلمتي  باقتباس لحضرة ‌امير‌ ‌المؤمنين نصره الله وجه فيه أبناءَ الجماعة حول المسؤوليات التي تقع علينا كأفرادٍ لهذه الجماعة المباركة، حيث قال حضرته:‌

“يا غلمانَ المسيحِ الموعود! أيها المستفيدونَ من ماء السماءِ الذي أحياكم! عليكم أداءَ واجِبِكم. وثِّقوا صلتَكم بالله تعالى أكثر فأكثر لهداية العالم! ابذُلوا كلَّ ما في وِسعِكم ورفعوا من مستوى روحانياتِكم وثقافتِكم الدينية. لأنكم بايعتم إمامَ الزمان،فأدُّوا حق هذه البيعة.

كونوا‌ ‌زروعا‌ ‌نبتت‌ ‌بماءِ‌ ‌السماءِ‌ ‌التي‌ ‌تنفَعُ‌ ‌الآخرين!‌ ‌كونوا‌ ‌انهارا‌ ‌وقنواتٍ‌ ‌تجري‌ ‌بها‌ ‌المياه‌ ‌العذبة!‌ ‌إنّ‌ ‌ري‌َّ ‌الارضِ‌ ‌يكونُ‌ ‌بماءِ‌ السماء‌ ‌الذي‌ ‌نزلَ‌ ‌على‌ ‌يدِ‌ ‌إمامِ الزمان، وإذا لم نؤدي واجبنا سوف نُسأل عند الله، فعلينا أن نبذُلَ كل ما في وِسعِنا للفوز برضى الله!

‌على‌ ‌كل‌ ‌واحد‌ ‌وواحدة‌ ‌منكم‌ ‌ان‌ ‌لا‌ ‌يخرج‌ ‌من‌ ‌قاعة‌ ‌الجلسة‌ إلا وقد عاهدَ اللهَ أنه ‌سوف‌ ‌يُؤثرُ‌ ‌الدين‌َ ‌على‌ ‌الدنيا‌ ويؤدي‌ ‌حقَّ‌َّ ‌واجِبِه‌ ‌ويبذلَ‌ ‌كل‌ ‌ما‌ عنده ‌من‌ ‌نَفْسٍ‌ٍ ‌ونفيسٍ‌ ‌وكفاءاتٍ‌ ‌في‌ ‌هذا‌ ‌السبيل.”‌ ‌

 وفقنا الله تعالى لأداءِ واجباتنا وتوطيد علاقتِنا به عز وجل، لنيلِ أفضالِ وبركات انتمائنا لهذه الجماعةِ المباركة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

بقلم الأخت دعاء منصور عودة